أول ما يلاحظه صاحب النخل عادةً ليس الحشرة، بل قطرات لزجة لامعة تتساقط من السعف على السيارة المركونة تحت النخلة، أو على الزرع تحتها، أو على أرضية الحوش. بعد أيام يتحول هذا اللمعان إلى طبقة سوداء من الفطر يلتصق بها الغبار، ويبدو السعف كأنه مدهون بالسخام. هذا هو توقيع دوباس النخيل (Ommatissus lybicus)، واسمه الشعبي مأخوذ من "الدبس"، أي العسل الذي يفرزه بكثرة حتى يقطر من رؤوس النخل.
الدوباس من أهم الحشرات الماصة على نخيل التمر في العراق ودول الخليج وإيران وأجزاء من شمال أفريقيا. وقد قدّرت الدراسات خسائر المحصول في الإصابات الشديدة بما يصل إلى 50% في العراق ونحو 28% في عُمان، مع ثمار أصغر ونضج متأخر وتمور ملوثة بالندوة العسلية لا تصلح للبيع.
كيف تتعرف على الدوباس؟
الدوباس حشرة صغيرة سريعة الحركة، لكن لكل طور من أطوارها شكلًا يسهل تمييزه إذا عرفت أين تبحث على السعف:
- البالغة: حشرة صغيرة بطول نحو 5 إلى 6 ملليمترات للأنثى، والذكر أصغر، لونها أصفر مخضر باهت، وأجنحتها شفافة تنطوي فوق الجسم على شكل سقف. تقفز وتطير لمسافات قصيرة عند هز السعف.
- الحوريات: بلون أخضر مصفر، في نهاية بطنها خيوط شمعية بيضاء قصيرة تشبه الريش، وتتجمع على السطح السفلي للخوص وعلى الجريد وحوامل العذوق.
- البيض: تغرزه الأنثى داخل نسيج الخوص والعرق الوسطي والجريد في شقوق صغيرة تصنعها بآلة وضع بيض منشارية، بيضة في كل شق، ويبقى طرف البيضة ظاهرًا قليلًا. ومع كثرة وضع البيض تظهر على السعف بقع ميتة مصفرة ثم بنية.
الدوباس يقضي كل أطوار حياته على النخلة نفسها، فلا يحتاج إلى عائل آخر، ولهذا تستمر الإصابة في البستان سنة بعد سنة إذا لم تُكسر دورتها.
جيلان في السنة: افهم التقويم قبل أن تشتري المبيد
هذه هي النقطة التي تفرق بين مكافحة ناجحة ورش ضائع. للدوباس جيلان في السنة، ولكل جيل نافذة رش واضحة:
الجيل الربيعي
يفقس البيض الشتوي من نحو فبراير إلى أبريل حسب حرارة المنطقة. تمر الحوريات بخمسة أعمار خلال نحو سبعة أسابيع، ثم تعيش البالغات قرابة عشرة أسابيع، وتضع الأنثى في المتوسط نحو 140 بيضة. هذا الجيل يتزامن مع موسم التلقيح وبداية عقد الثمار، فإفرازاته العسلية تسقط مباشرة على العذوق الصغيرة.
فترة السكون الصيفي
في حر الصيف الشديد يدخل بيض الجيل الربيعي في سكون داخل أنسجة السعف، فتقل الحشرات المتحركة ويظن البعض أن المشكلة انتهت. الحقيقة أن الجيل التالي ينتظر داخل الخوص.
الجيل الخريفي
يفقس البيض من أواخر أغسطس حتى أواخر أكتوبر تقريبًا، وتكتمل الحوريات في نحو ستة أسابيع، وتعيش البالغات قرابة 12 أسبوعًا، وتضع الأنثى عددًا أكبر يصل في المتوسط إلى نحو 180 بيضة. وهذا البيض هو الذي يقضي الشتاء ويعطي إصابة الربيع القادم. لذلك فإن إهمال الجيل الخريفي بعد الصرام يعني إصابة أشد في الموسم التالي.
الخلاصة العملية: أفضل توقيت للرش هو بعد اكتمال الفقس وظهور الحوريات الصغيرة في الأعمار الأولى، أي في الربيع ثم في الخريف، وليس عندما تمتلئ النخلة بالعسل والسخام. الحوريات الصغيرة أضعف وأسهل في المكافحة، والبالغات أكثر حركة وتضع بيضًا جديدًا محميًا داخل الأنسجة.
ما الذي يفعله الدوباس بالنخلة والتمر؟
ضرر الدوباس لا يقتصر على امتصاص العصارة، بل يمتد إلى الثمار وما تحت النخلة. وهذه أبرز صوره:
- إضعاف النخلة: الحوريات والبالغات تمتص العصارة باستمرار، فتضعف النخلة ويصفر السعف في الإصابات الشديدة، وقد يجف في الحالات القصوى.
- الندوة العسلية والعفن الأسود: الإفراز العسلي يغطي الخوص ويتراكم عليه فطر أسود يحجب الضوء ويقلل البناء الضوئي، فيقل غذاء الثمار.
- تضرر الثمار: التمور من النخيل المصاب أصغر حجمًا وأبطأ نضجًا، وترتفع فيها السكريات المختزلة وينخفض السكروز، وهذا يؤثر على الجودة والتخزين. والثمار الملوثة بالعسل والغبار تفقد قيمتها التسويقية.
- بقع وضع البيض: الشقوق الكثيرة في الخوص تتحول إلى بقع ميتة تقلل المساحة الخضراء الفعالة.
- ضرر لما تحت النخلة: الزراعات البينية كالبرسيم والخضار تتلوث بالعسل والسخام، والسيارات والأرضيات تتسخ، وهي شكوى شائعة في نخيل المنازل والاستراحات.
البستان المزدحم بيت مثالي للدوباس
من خبرة الميدان، الإصابة تكون أشد في البساتين الكثيفة المهملة: نخيل متقارب، فسائل كثيرة لم تُفصل، سعف يابس لم يُقلّم، ورطوبة عالية من الري بالغمر والزراعات البينية الكثيفة.
هذه البيئة تحمي الحشرة من الشمس والرياح وتعطيها ظلًا ورطوبة. لذلك تبدأ المكافحة الحقيقية بالمقص قبل المرشة:
- التقليم المنتظم: إزالة السعف اليابس والسعف السفلي شديد الإصابة بعد موسم وضع البيض، لأنك بذلك تزيل آلاف البيوض المغروزة فيه. أحرق السعف المقلم أو تخلص منه بعيدًا ولا تتركه مكومًا في البستان.
- فصل الفسائل الزائدة: الفسائل الكثيرة حول الجذع تصنع غابة صغيرة رطبة حول النخلة الأم.
- التهوية والمسافات: في الزراعات الجديدة احترم مسافات الزراعة الموصى بها، وفي البساتين القديمة خفف الزراعات البينية الملاصقة.
- ري منضبط: الري الزائد يرفع الرطوبة تحت الرؤوس، والري بالتنقيط أفضل من الغمر في هذا الجانب.
- التسميد المتوازن: الإفراط في النيتروجين يعطي سعفًا طريًا تفضله الحشرة.
الرصد: كيف تعرف أن الوقت حان؟
طوّر الباحثون في عُمان طريقة رصد تعتمد على عد قطرات الندوة العسلية المتساقطة كمؤشر سريع لحجم الإصابة، وهي فكرة يمكن لأي مزارع تطبيقها ببساطة:
- ضع ورقة تحت النخيل: ورقة بيضاء أو بلاستيكًا فاتحًا تحت عدد من النخيل الممثلة للبستان لمدة ساعة صباحًا.
- عُدّ القطرات: راقب عدد القطرات اللامعة. ارتفاع القطرات في الربيع أو الخريف يعني أن الحوريات نشطة وأن وقت التدخل حان.
- تأكد بعينك: ومع ذلك افحص السطح السفلي للخوص في السعف الوسطي لترى الحوريات بنفسك وتحدد عمرها.
الأعداء الطبيعية
للدوباس أعداء طبيعية مسجلة، أهمها دبابير دقيقة تتطفل على البيض داخل الخوص، إضافة إلى المفترسات العامة كأسد المن (الحشرات الذهبية) وأبي العيد والعناكب.
هذه الأعداء لا تكفي وحدها في البساتين شديدة الإصابة، لكنها تساعد في إبقاء الأعداد منخفضة إذا لم تُقتل برش عشوائي متكرر. لهذا ننصح بأن يكون الرش في نافذة الحوريات فقط، وليس رشًا دوريًا طوال السنة.
المكافحة الكيميائية: ماذا نستخدم ومتى؟
اعتمدت برامج المكافحة في المنطقة لسنوات على الرش الجوي وبالموتورات بمبيدات من مجموعة البيرثرويدات والفوسفورية العضوية، ثم اتجهت الأبحاث إلى المبيدات الجهازية من مجموعة النيونيكوتينويد (إيميداكلوبريد وثيامثوكسام) لأنها تنتقل في عصارة النخلة فتصل إلى الحوريات المختبئة تحت الخوص وفي قلب الرأس، وتقلل الحاجة إلى تغطية كاملة لرأس نخلة عالية يصعب الوصول إليه.
بالنسبة للنخيل المنخفض والفسائل والنخيل حديث الزراعة في المنازل والاستراحات، يمكن الرش بمرشة ظهرية بسهولة. أما النخيل العالي فيحتاج إلى مرشات موتور بضغط عالٍ أو خدمة مكافحة متخصصة تصل إلى الرأس، والرش من الأسفل بمرشة صغيرة لن يصل إلى الحوريات في القلب.
تنبيه مهم في الربيع: الجيل الربيعي يتزامن مع التلقيح. لا ترش العذوق المفتوحة حديثًا أو حبوب اللقاح أثناء عملية التلقيح، واترك أيامًا بعد التلقيح قبل الرش، وتجنب الرش في وقت نشاط النحل في البستان.
المنتجات التي نعتمدها للدوباس
اختياراتنا في أوركيدا للدوباس تجمع بين مبيد جهازي يصل إلى الحوريات المختبئة، ومبيد بالملامسة يسقط الأعداد العالية بسرعة، ومرشة مناسبة لنخيل المنازل والفسائل:
- أكتارا 25 دبليو جي من سينجينتا: ثيامثوكسام 25%، مبيد جهازي من مجموعة النيونيكوتينويد التي أثبتت كفاءتها في أبحاث مكافحة الدوباس. نعتمده على الفسائل والنخيل الصغير والمتوسط رشًا على السعف أو معاملة للتربة حول جذع النخلة مع ماء الري، فيصعد مع العصارة ويصل إلى الحوريات في أماكن لا يصلها الرش. نبدأ به عند ظهور الحوريات الصغيرة في الربيع أو الخريف.
- بريجادير 200 إس سي من FMC: يجمع بايفنثرين (قاتل سريع بالملامسة) مع إيميداكلوبريد (جهازي يحمي لفترة أطول). نفضّله عندما تكون الإصابة عالية والعسل يقطر بوضوح، لأن البايفنثرين يسقط الحوريات والبالغات المكشوفة بسرعة بينما يحمي الإيميداكلوبريد السعف من الأفراد التي تفقس بعد الرش.
- تلستار 100 إي سي من FMC: بايفنثرين 10% من البيرثرويدات، وهي المجموعة نفسها التي استُخدمت تاريخيًا في الرش الأرضي للدوباس، والنخيل ضمن محاصيله مع فترة أمان 14 إلى 21 يومًا. نستخدمه للتناوب مع أكتارا حتى لا نعتمد على مجموعة واحدة، وله أيضًا نشاط أكاروسي على العناكب، وهي ميزة في البساتين التي تجتمع فيها الآفتان.
- مرشة إيكو سبراي الظهرية الكهربائية 20 لتر موديل Turbo: سعة 20 لترًا مع مضخة كهربائية ومنظم لقوة الرش ونظام تقليب داخلي يمنع ترسب المبيد في الخزان. مناسبة لرش الفسائل والنخيل المنخفض ونخيل الحدائق والمنازل والزراعات تحت النخيل، بدون تعب الضخ اليدوي.
برنامج مقترح لنخيل المنازل والمزارع الصغيرة: رشة أكتارا عند ظهور الحوريات الصغيرة في الربيع بعد انتهاء التلقيح، ثم متابعة بعد أسبوعين، فإن استمر العسل نرش بريجادير أو تلستار.
ويتكرر البرنامج نفسه في الخريف بعد الصرام مباشرة لتقليل بيض الشتاء. والتزم بالجرعة المكتوبة على العبوة، وبفترة الأمان قبل جني الثمار، فالتمور تؤكل مباشرة دون طبخ.
بعد المكافحة: نظّف ما تركه الدوباس
العفن الأسود لا يختفي بمجرد موت الحشرة، لكنه يجف ويتقشر تدريجيًا مع الوقت ومع الرياح. في نخيل المنازل يمكن غسل السعف السفلي بالماء بضغط مناسب بعد السيطرة على الإصابة لتسريع عودة اللون الأخضر. وراقب في الوقت نفسه الآفات الأخرى التي تستغل النخلة الضعيفة، مثل الحشرات القشرية والبق الدقيقي.
أسئلة شائعة
هل الدوباس يقتل النخلة؟
نادرًا ما يقتلها مباشرة، لكنه في الإصابات الشديدة المتكررة يضعفها كثيرًا، فيقل الحمل وتصغر الثمار، وقد يجف السعف في الحالات القصوى. والنخلة الضعيفة تصبح أكثر عرضة لآفات أخطر.
هل التمر الملوث بعسل الدوباس صالح للأكل؟
العسل نفسه إفراز سكري، لكن الثمار الملوثة يلتصق بها الغبار والعفن الأسود وتنخفض جودتها، ولهذا تُعتبر غير مقبولة تجاريًا. والأفضل منع وصول الإصابة إلى مرحلة العذوق.
متى أرش الدوباس بالضبط؟
مرتين في السنة: في الربيع بعد اكتمال فقس البيض وظهور الحوريات الصغيرة (غالبًا من مارس إلى أبريل بحسب المنطقة) وبعد انتهاء التلقيح، وفي الخريف مع فقس الجيل الثاني (غالبًا من سبتمبر إلى أكتوبر). أما الرش في عز الصيف فغالبًا لا يصيب إلا القليل، لأن معظم الحشرة تكون في طور البيض الساكن داخل السعف.
هل يكفي حقن الجذع؟
حقن الجذع بمبيدات جهازية طريقة دُرست في أبحاث النخيل وتُنفذ عادةً بأدوات وخبرة جهات المكافحة المتخصصة. لصاحب النخيل القليل في المنزل، معاملة التربة حول الجذع بمبيد جهازي أو الرش الجيد للفسائل والنخيل المنخفض أسهل وأأمن.
هل ينتقل الدوباس من نخلة الجار؟
نعم، البالغات تطير لمسافات قصيرة وتنتقل بين النخيل المتجاور. ولهذا تنجح المكافحة أكثر عندما يتفق أصحاب البساتين المتجاورة على التوقيت نفسه، بدل أن يرش كل واحد منفردًا فتعود الحشرة من البستان غير المعالج.
ما الفرق بين الدوباس وحلم الغبار على النخيل؟
الدوباس حشرة تقفز وتطير وتترك عسلًا لامعًا لزجًا على السعف في الربيع والخريف. أما حلم الغبار (عنكبوت الغبار) فكائن دقيق لا يُرى تقريبًا، ينسج شبكة يلتصق بها الغبار حول الثمار الخضراء في الصيف، ولا يفرز عسلًا. ولكل منهما مكافحة مختلفة.