في البيت المحمي تلاحظ نبتة طماطم واحدة ذبلت وريقاتها على جانب واحد فقط من الورقة، وحواف أوراقها السفلية محترقة يحيط بها اصفرار، رغم أن الري منتظم. بعد أسبوعين يتكرر نفس المشهد في نباتات على نفس الخط، بنفس الاتجاه الذي يمشي فيه العامل وهو يقلّم.
هذه القصة المتكررة هي توقيع التقرح البكتيري في الطماطم، وهو من أخطر أمراض الطماطم في البيوت المحمية، لأن من ينشره ليس الريح ولا الحشرات، بل المقص واليد. والنبتة التي ظهرت عليها أعراض التقرح لا تُعالج؛ الهدف كله هو حماية النباتات التي لم تُصب بعد، وقطع طريق المرض إلى الموسم القادم.
عدو يسكن داخل الأوعية
في هذا المقال نشرح كيف تميزه عن أمراض الذبول الأخرى، وكيف يدخل البيت المحمي، وماذا تفعل يوم تكتشفه. لكن البداية من فهم المسبب وأين يعيش داخل النبات.
المسبب بكتيريا Clavibacter michiganensis (كانت تعرف سابقًا بـ C. michiganensis subsp. michiganensis). تدخل النبات من الجروح وجروح التقليم والفتحات الطبيعية في الأوراق، أو تأتي جاهزة داخل البذرة، ثم تستقر في أوعية الخشب التي تنقل الماء، وتتكاثر هناك وتكوّن طبقة لزجة تسد الأوعية. النتيجة ذبول يزداد مع الوقت حتى تنهار النبتة.
للمرض شكلان يجب التمييز بينهما:
- الإصابة الجهازية: البكتيريا داخل الأوعية، وتنتشر في النبات كله. تأتي من بذور أو شتلات مصابة، أو من التقليم والتطعيم. هذه هي الإصابة المدمرة، ولا يوجد شيء يخرج البكتيريا من الأوعية.
- الإصابة الثانوية السطحية: بكتيريا يحملها رذاذ الماء إلى سطح الأوراق والثمار، فتسبب بقعًا على الأوراق وبقع "عين الطائر" على الثمار. أخف ضررًا، وهي التي يمكن الحد منها بالرش الوقائي.
أخطر ما في هذا المرض أن الأعراض قد تتأخر من أسبوعين إلى سبعة أسابيع بعد العدوى، فتمر شتلات تحمل البكتيريا دون أي علامة، وينشرها العمال طوال هذه الفترة.
ويشتد المرض في الحرارة بين 24 و32 درجة تقريبًا مع الرطوبة العالية، وتظهر الأعراض في الظروف المناسبة خلال أسبوع تقريبًا.
علامات تميّز التقرح البكتيري
أعراض التقرح تظهر على الأوراق والساق والثمار والشتلات، وأكثرها تمييزًا الذبول من جانب واحد مع احتراق الحواف، والتلون داخل الساق، وبقع عين الطائر على الثمار:
- ذبول وتشويط الأوراق: ذبول الوريقات على جانب واحد من الورقة المركبة أو جانب واحد من النبتة، يبدأ من الأوراق السفلية، مع احتراق حواف الأوراق (يسميه المزارعون الاحتراق أو "التشويط") بلون بني تحيط به هالة صفراء واضحة، والتفاف الورقة للأعلى. الأوراق تموت وتجف لكنها تبقى معلقة على النبتة.
- بقع الإصابة الثانوية على الأوراق: بقع صغيرة بيضاء بارزة مثل البثور تتحول إلى بنية.
- تقرحات الساق: خطوط فاتحة على الساق تتشقق مع الوقت إلى تقرحات بنية طويلة، ومنها جاء اسم المرض.
- اختبار قطع الساق: اقطع الساق قرب القاعدة، ستجد تلونًا أصفر إلى بني محمر في الأوعية تحت القشرة مباشرة، ومع تقدم المرض يصبح اللب دقيقيًا حبيبيًا أو مجوفًا. واضغط على الساق المقطوعة: قد يخرج سائل أصفر لزج.
- بقع عين الطائر على الثمار: بقع صغيرة بارزة قطرها نحو 3 إلى 6 مم، مركزها بني وتحيط بها هالة بيضاء ناصعة. هذه علامة شبه مميزة للمرض.
- تلون الثمار من الداخل: قد تظهر الثمار بشكل مرمري أو شبكي، وقد يتلون اللب الداخلي باللون الأصفر إلى البني قرب العنق.
- على الشتلات: بقع بيضاء بارزة صغيرة على الأوراق، واسوداد حواف الأوراق، وتقزم وذبول قد ينتهي بالموت. وكثير من الشتلات المصابة لا تظهر عليها أي أعراض حتى بعد الشتل.
لا تخلط بينه وبين
- الذبول الفيوزارمي: اصفرار يبدأ من الأوراق السفلية وغالبًا على جانب واحد أيضًا، وتلون بني في الأوعية، لكن دون احتراق الحواف بالهالة الصفراء، ودون تقرحات على الساق أو بقع عين الطائر على الثمار.
- الذبول البكتيري (رالستونيا): ذبول سريع للنبتة كلها والأوراق ما زالت خضراء. ضع قطعة من الساق المقطوعة في كأس ماء صافٍ: إذا خرجت منها خيوط بيضاء حليبية تنساب في الماء خلال دقائق فالأرجح أنه ذبول بكتيري لا تقرح.
- التبقع البكتيري والنقطة البكتيرية: بقع على الأوراق والثمار فقط دون ذبول ودون إصابة الأوعية. بقع ثمار النقطة البكتيرية أصغر وليس لها الهالة البيضاء.
- اللفحة المبكرة: بقع بنية بحلقات متداخلة مثل الهدف، تبدأ من الأوراق السفلية، ولا تسبب ذبولًا أحادي الجانب.
الأعراض تتشابه كثيرًا، لذلك عند الاشتباه أرسل عينة (ساق بأعراض مبكرة وثمار مبقعة) إلى مختبر أمراض نبات لتأكيد التشخيص قبل اتخاذ قرارات كبيرة مثل إزالة صفوف كاملة.
كيف يدخل البيت المحمي وكيف ينتشر
يبدأ كل شيء تقريبًا من بذرة أو شتلة مصابة. نسبة البذور الحاملة للبكتيريا قد تكون منخفضة جدًا، لكن بذرة واحدة تكفي لإنتاج عدد كبير من الشتلات المصابة في المشتل، لأن البكتيريا تنتقل بين الشتلات مع الري العلوي وتقليم الشتلات وتداولها.
ويتسارع الانتشار بشدة بعد التطعيم، لأن جرح التطعيم يدخل البكتيريا مباشرة إلى الأوعية. وبعد الشتل تتولى أيدي العمال الباقي:
- التقليم وإزالة السرطانات والأوراق: سكين أو أصابع لمست نبتة مصابة تنقل البكتيريا إلى النبتات التالية على نفس الخط.
- اللف والتثبيت: لف النباتات على الخيوط وتثبيت المشابك.
- العمل على نبات مبلل: الحصاد والعمل والنباتات مبتلة.
- الماء: رذاذ الماء من الري العلوي أو الأمطار، وماء الري المعاد تدويره في الزراعة بدون تربة.
كم تعيش البكتيريا؟ هنا سر عودتها كل موسم. تشير المراجع الإرشادية الأمريكية إلى أنها تعيش حتى ثلاث سنوات في بقايا نباتات الطماطم غير المتحللة، وحتى سبعة أشهر على الدعامات والأدوات.
وتعيش في البذرة المصابة خمس سنوات على الأقل، وعلى أسطح البلاستيك والإسمنت في البيت المحمي شهرًا على الأقل، وفي الصوف الصخري (روكوول) سنة على الأقل. أما في التربة وحدها فبقاؤها قصير نسبيًا، بضعة أسابيع، ما لم تكن فيها بقايا نباتات.
يوم تكتشف الإصابة: خطة عمل
لأن المرض ينتقل بالأيدي والأدوات، فالخطة تقوم على أمرين: إخراج مصدر العدوى بسرعة، وتغيير طريقة العمل حتى لا ينقله العمال إلى بقية الخطوط.
عزل الإصابة وتنظيم العمل
- علّم النباتات المصابة: بشريط ملون، وحدد الخطوط المشتبه بها.
- أزل النباتات المصابة بجذورها: في أكياس مغلقة داخل البيت المحمي قبل حملها للخارج، ومعها النباتات المجاورة لها على نفس الخط حتى لو بدت سليمة، فهي غالبًا مصابة دون أعراض.
- غيّر ترتيب العمل: يبدأ العمال كل يوم بالخطوط السليمة، وتأتي الخطوط المصابة في آخر اليوم، ولا يعود أحد منها إلى السليمة في نفس اليوم.
- نظام السكينين: كل عامل معه سكينان أو مقصان، يعمل بواحد بينما الآخر مغموس في محلول مطهر، ويبدلهما بين كل نبتة وأخرى في الخطوط المشتبه بها، حتى يأخذ المطهر وقته في القتل.
النظافة والري والرش الوقائي
- قفازات تستبدل أو تطهر: وغسل اليدين بعد لمس نبتة مصابة، ومغطس أقدام عند مدخل البيت المحمي.
- أوقف التقليم والعمل والنباتات مبتلة: وقلل التقليم وإزالة الأوراق في الخطوط المصابة إلى الحد الأدنى.
- أوقف الري العلوي: واعتمد التنقيط، وخفف الرطوبة بالتهوية.
- الرش الوقائي بالنحاس: على النباتات السليمة يقلل الإصابة الثانوية على الأوراق والثمار، لكنه لا يصل إلى البكتيريا داخل الأوعية ولا يشفي نبتة مصابة. وبعض أصناف الطماطم حساسة لاحتراق النحاس في الحرارة العالية، فجرّبه على عدد قليل من النباتات أولًا.
الوقاية تبدأ قبل الشتل
بما أن أغلب الإصابات تبدأ من بذرة أو شتلة، فالقرار الأهم يُتخذ قبل أن تدخل أي نبتة البيت المحمي: من أين تأتي البذور، وكيف تُدار الشتلات في المشتل.
- البذور: اشترِ بذورًا مختبرة وخالية من Clavibacter من شركة معروفة. وفي الشتلات المطعمة يجب أن تكون بذور الأصل والطعم كلاهما مختبرين.
- لا تحتفظ ببذور من نباتات مصابة: وإذا كنت تنتج بذورك بنفسك، فالمعاملة بالماء الساخن على 50 درجة لمدة 25 دقيقة بحرارة ثابتة تقلل البكتيريا داخل البذرة، ثم تبرد البذور وتجفف في الظل. هذه المعاملة قد تقلل نسبة الإنبات وعمر البذرة، ولا تقضي على البكتيريا بالكامل، فراقب الشتلات بعدها.
- افحص الشتلات قبل استلامها: ارفض أي دفعة فيها حواف أوراق سوداء أو ذبول، وتجنب الشتلات التي قُلِّمت أو قُصَّت قممها في المشتل لأن هذا القص ينقل البكتيريا بين الشتلات.
- في المشتل: صواني جديدة أو مطهرة، وري من الأسفل أو بالتنقيط بدل الرش العلوي، وفترة الشتلات في المشتل هي أهم مرحلة لمنع المرض لأن ظروفها مثالية لانتشاره.
بين موسمين: لا تسلّم المرض للزراعة القادمة
البكتيريا تعيش طويلًا في البقايا والأدوات والوسط الزراعي، لذلك التنظيف بين الموسمين هو ما يمنع عودتها. هذه الخطوات بعد آخر حصاد:
- إخراج البقايا: اقلع النباتات بجذورها بعد آخر حصاد، وأخرج كل البقايا من البيت المحمي ولا تتركها تتحلل داخله.
- الخيوط والدعامات: تخلص من الخيوط والمشابك المستعملة، ومن الدعامات الخشبية، لأن الخشب المسامي لا يُطهر بشكل موثوق.
- الوسط الزراعي: غيّر الصوف الصخري والوسط الزراعي ولا تعِد استخدامه بعد موسم فيه إصابة.
- الغسيل ثم التطهير: اغسل الهيكل والأرضيات والطاولات وخطوط التنقيط والخزانات بالماء والمنظف لإزالة المادة العضوية، ثم طهرها.
- الدورة الزراعية: تناوب بعيدًا عن الطماطم والفلفل والباذنجان والبطاطس مدة لا تقل عن سنتين إلى ثلاث سنوات في الأرض المكشوفة، وتخلص من حشائش العائلة الباذنجانية مثل عنب الديب، ومن نباتات الطماطم النابتة ذاتيًا.
ما المتاح للمكافحة، وما الذي لا ينفع
لا توجد أصناف طماطم مقاومة للتقرح البكتيري في الأسواق حاليًا، والخيارات الكيميائية محدودة جدًا: مركبات النحاس للحد من الإصابة الثانوية، وفي بعض الدول مضادات حيوية زراعية مسجلة للشتلات فقط، وكلها وقائية لا علاجية.
لذلك يبقى سلاحك الأقوى هو النظافة والتطهير، ويأتي النحاس بعده واقيًا. وهذا ما نعتمده في أوركيدا لهذا المرض:
- فيركون إس (5 كجم): من لانكسس، مطهر مؤكسد من بيروكسي مونوسلفات البوتاسيوم يقتل البكتيريا والفطريات والفيروسات على الأسطح والمعدات. نستخدمه بتركيز 1% (10 جرام لكل لتر) لمحاليل غمس السكاكين والمقصات في نظام السكينين، ولمغاطس الأقدام عند المداخل، ولتطهير الصواني والطاولات وعربات الحصاد والهيكل والأرضيات بين المواسم. يُحضَّر المحلول طازجًا ويُجدد أثناء العمل، ولا يُرش على النباتات.
- فيركون إس 10 كجم: نفس المطهر بعبوة أكبر، أوفر للمزارع ذات البيوت المحمية المتعددة حيث يتم تجهيز مغاطس ومحاليل غمس يوميًا وتطهير شامل بين المواسم.
- كدوس: من كوساكو الأمريكية، هيدروكسيد النحاس 53.8% (FRAC M1). أيونات النحاس تقتل البكتيريا على سطح الورقة والثمرة قبل أن تدخل من الجروح والفتحات الطبيعية، فنستخدمه رشًا وقائيًا على النباتات السليمة في الخطوط المجاورة للإصابة وبعد التقليم، كل 10 إلى 14 يومًا، بمعدل 250 جرامًا لكل 100 لتر ماء على الطماطم. دوره تقليل الإصابة الثانوية وبقع عين الطائر على الثمار، لا علاج نبتة وصلت البكتيريا إلى أوعيتها.
ولأي رش وقائي بالنحاس، فالالتزام بجرعة العبوة وفترة الأمان قبل القطف هو ما يحمي النبات من الاحتراق والثمار من المتبقيات.
أسئلة شائعة عن التقرح البكتيري في الطماطم
هل يمكن علاج نبتة طماطم مصابة بالتقرح البكتيري؟
لا. البكتيريا تسكن الأوعية الناقلة للماء ولا يصلها أي مبيد. النبتة المصابة مصدر عدوى لجيرانها، وإزالتها مع المجاورات هي القرار الصحيح، خاصة في البيوت المحمية.
هل ثمار الطماطم ذات بقع عين الطائر صالحة للأكل؟
البكتيريا لا تمرض الإنسان، والبقع سطحية في الغالب، فالثمار صالحة للأكل لكنها تفقد قيمتها التسويقية. لا تستخدمها لاستخراج البذور.
هل يصيب التقرح البكتيري الفلفل؟
نعم، يصيب الفلفل والباذنجان أيضًا وإن كانت الطماطم أكثرها تضررًا، ولهذا لا يكفي التحويل من الطماطم إلى الفلفل كدورة زراعية.
هل محلول الكلور يكفي لتطهير المقصات؟
محلول الكلور المنزلي المخفف (جزء إلى تسعة أجزاء ماء) فعال إذا كان طازجًا وتُركت الأداة فيه دقيقة على الأقل، لكنه يفقد قوته بسرعة مع المادة العضوية ويؤكل المعادن. المطهرات المؤكسدة المخصصة أنسب للاستخدام اليومي.
إذا ظهر المرض هذا الموسم، هل سيعود في الموسم القادم؟
سيعود إذا بقيت البقايا والخيوط والدعامات والوسط الزراعي القديم. البكتيريا تعيش في البقايا حتى ثلاث سنوات، لكن التنظيف الشامل والتطهير وتغيير الوسط ومصدر البذور يقطع الدورة.
لماذا يظهر المرض على خط واحد في البيت المحمي؟
لأن العامل يمشي على الخط ويقلم نبتة بعد أخرى بنفس السكين. انتشار الإصابة على طول الخط في اتجاه العمل علامة قوية على أن المرض ينتقل بالأدوات والأيدي.
تجد بقية أمراض وآفات المحاصيل في مكتبة الآفات.